فوزي آل سيف

35

فقه العلاقات الاجتماعية

فلا ينبغي السعي وراء هذه الصداقة والعلاقة ، كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام : ( انظر إلى كل من لا يفيدك منفعة في دينك فلا تعتدن به ولا ترغبن في صحبته ) . ومن نفعه دينك أن يعينك على نفسك ، بنصيحة ، أو توجيه أو غير ذلك ، ولقد اشتهر في الأمثال : أمر من يبكيك لا من يضحكك . وهو إشارة إلى هذا المعنى .. فإن من طلب منك الكمال ، ورغبك في التفوق ، وشجعك على المعالي ، يكون قد أعانك على نفسك . فإن : من لم يصحبك معيناً على نفسك فصحبته وبال عليك إن علمت. كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام . 4/ عديم المنفعة في الدنيا ، ومن لا يوجب لك حقاً ، فإن الصداقة والعلاقة ينبغي أن يكون لها مضمون اجتماعي يتمثل في التواصل ، والتعاون وقضاء الحوائج مع القدرة عليها ، وأما تلك التي لا حق فيها يرعى ، ولا منفعة ترجى ! فما الداعي للإصرار عليها والتهالك في طلبها ؟ لقد خاطب أحد الشعراء صاحبه قائلا : أعلى الصراط تريد رعية ذمتي ؟ أم في الحساب تجود بالإنعام ؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : من لم تنتفع بدينه ودنياه فلا خير لك في مجالسته ، ومن لم يوجب لك فلا توجب له ولا كرامة . 5/ الفجار والفساق وأهل المعاصي : فإن مصاحبة هؤلاء تؤثر بنسبة أو أخرى في دين الإنسان سلبا ، وفي أخلاقه ، وإن لم يشعر بذلك المقدار من التأثر ! فهؤلاء ـ في الغالب ـ يسعون لتوريط أصحابهم في أعمالهم ، ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)[125] ، لكيلا يشعروا أنهم وحيدين في تلك الأعمال السيئة .. ويقول أمير المؤمنين عليه السلام عن اجتناب الفاسق والفاجر لأنه ( يزين لك فعله ، ويود أن تكون مثله ) . وحتى لو لم يتعمد هؤلاء التأثير في صديقهم ، فإن التأثر يحصل بنسبة أو بأخرى تبعا للمجاورة .. عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي ففي الحديث عن المعصومين قد تم التأكيد على تأثير الصديق في صديقه ، بل إن مجرد اختيار هذا الشخص غير السوي للعلاقة والصداقة ليشي بوجود بوادر غير جيدة في نفس من اختاره ، أو غفلة .. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل. وفي حديث آخر : اختبروا الناس بأخدانهم ، فإنما يخادن الرجل من يعجبه نحوه .. وجعل الصديق في حديث مروي عن النبي سليمان عليه السلام طريقا لمعرفة الشخص فقال : لا تحكموا على رجل بشئ حتى تنظروا إلى من يصاحب ، فإنما يعرف الرجل بأشكاله وأقرانه[126] .. وينبغي أن يعلم أن حديثنا عن المصاحبة والمصادقة وهي لا تحصل بلقاء عابر ، أو عمل مشترك لبعض الوقت .. وبالإضافة إلى تأثيرها ـ غير المحسوس والواقعي ـ فإن هناك أثرا اجتماعيا سيئا وهو أنه سيحسب من مجموعة الفساق ، ويترتب عليه من الآثار ما يترتب عليهم وهذا أمر وجداني واضح ، فإن الناس لا يتعاملون مع صاحب العلماء والفضلاء والهادفين كما يتعاملون مع صديق الفسقة والفاجرين والعابثين ! بل قد أشارت الأحاديث إلى نقطة أخرى مهمة وهي أن هذا الشخص مهدد عند حلول العذاب والنقمة بأولئك الفاجرين أن يكون معهم !

--> 125 ) النساء: من الآية89 126 ) ميزان الحكمة 2/1582